الشيخ محمد النهاوندي

336

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

اللّه رسولا في مكّة كان من المسلّمات ، ولم يظهر فيها مدّع للنبوّة إلّا وجوده المقدّس ، وكانت هذه الآيات بفصاحتها واشتمالها على الأخبار الغيبيّة معجزة ظاهرة له ، إذ لم يكن عليه السّلام قارئا للكتب ومجالسا لعلماء أهل الكتاب ، فثبت أنّه صلّى اللّه عليه وآله هو مسؤول إبراهيم عليه السّلام . إن قيل : كيف يمكن القطع بأنّ جميع ما أخبر به من قصّة إبراهيم ، من إتمامه الكلمات ، وبناء البيت ، وسائر الدعوات ، كان مسلّما بين أهل الكتاب ، ومسطورا في الكتب ؟ قلنا : لو لم يكن بينهم من الوضوح بمكان ، لتسارعوا إلى تكذيبه مع شدّة عداوتهم وحرصهم على إطفاء نوره ، ولو كذّبوه في هذه الأمور لنقل إلينا ، ولو بأخبار الآحاد . عن ( المجمع ) : عن السجاد عليه السّلام « 1 » : « ما أحد على ملّة إبراهيم إلّا نحن وشيعتنا ، وسائر النّاس منها براء » « 2 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 131 إلى 132 ] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 ) ثمّ ذكر اللّه علّة اصطفائه بقوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ حين خرج من الغار على ما قيل ، بالإلهام في قلبه ، وتقوية عقله ، وتنفيذ بصيرته ، وإرادة الآيات الباهرات أَسْلِمْ وأخلص وجهك للّه قالَ إبراهيم عليه السّلام مبادرا إلى الطاعة والانقياد باستعداده الكامل : أَسْلَمْتُ وجهي وأخلصت قلبي لِرَبِّ الْعالَمِينَ بالتّوحيد الكامل ، والعرفان التّامّ . والظاهر أنّه كان إقراره بلسان حاله ورسوخ المعرفة في شراشر وجوده ، لا بلسان قاله ، فلمّا كملت نفسه بمعرفة اللّه بادر إلى الدّعوة إلى ملّة التّوحيد والإسلام . وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ قبل سائر النّاس شفقة بهم ، قيل : كانوا أربعا وقيل : ثمان « 3 » . وَيَعْقُوبُ : وصّى بها بنيه أيضا كجدّه إبراهيم عليه السّلام وكانت وصيّته أن قال : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ

--> ( 1 ) . في المحاسن : الحسين بن علي عليهما السّلام . ( 2 ) . المحاسن 1 : 147 / 54 ، تفسير الصافي 1 : 173 ، ولم نعثر عليه في مجمع البيان . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 1 : 163 .